90% من خرّيجي تكنولوجيا المعلومات الجُدُد ما رح يلاقوا شغل بمجالهم
قطاع التكنولوجيا مش عم يموت. بس أول درجة بالسُّلّم — الوظيفة الأولى اللي وعدونا فيها — عم تختفي بهدوء.
من سنين، كل شاب سمع نفس الحكي: ادرس علوم حاسوب، اتعلّم برمجة، خُد شهادة تكنولوجيا معلومات، اعمل كم مشروع، تخرّج، ولاقِ شغل حلو. وكإنها معادلة رياضية مضمونة — التكنولوجيا هي المستقبل، الشركات عطشانة لمبرمجين، الرواتب حلوة، والجامعات بتخرّج كل سنة آلاف الخرّيجين. فالقرار كان يبيّن بديهي.
بس إشي تغيّر.
الخرّيج بفتح لينكدإن، بدوّر على وظيفة «مطوّر مبتدئ». الإعلان الأول بطلب سنتين خبرة. الثاني بدّه Docker وKubernetes وReact وAWS وذكاء اصطناعي. الثالث إجاه سبع ميّة طلب. والرابع اختفى قبل ما حدا يعرف إذا في بني آدم قرأ سيرتك الذاتية من الأساس.
عشان هيك بدّي أحكي تنبؤ — وأنا عارف إنه مزعج: 90% من خرّيجي تكنولوجيا المعلومات الجُدُد يمكن ما يوصلوا للمسار المهني اللي حضّروا حالهم إله سنين.
90%؟ خليني أوضّح الرقم قبل ما تولّع
قبل ما حدا ياخد screenshot للجملة ويفتح حرب بالتعليقات — خليني أكون صريح: الـ90% مش رقم رسمي. ما في دراسة بتقول إنه تسعة من كل عشرة خرّيجين رح يظلّوا عاطلين للأبد. بالعكس، الأرقام بتقول غير هيك.
بأميركا، بطالة الخرّيجين الجُدُد (عمر 22–27) كانت حوالي 5.7% بمنتصف 2026 حسب بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك1. رقم مش كارثي. بس المشكلة الحقيقية مش هون. المشكلة إنه حوالي 42% من الخرّيجين الجُدُد بيشتغلوا بوظايف ما بتحتاج شهادتهم أصلاً — يعني درسوا أربع سنين مشان يشتغلوا إشي تاني.
فالسؤال ما عاد «رح يلاقوا شغل؟». السؤال الأخطر: «رح يقدروا يدخلوا المهنة اللي درسوها؟» وهون بالضبط الأرض بلّشت تتزحزح تحت أرجل الخرّيجين.
أول درجة بالسُّلّم عم تختفي
كل مهنة بتحتاج مبتدئين. المطوّر الخبير ما صار خبير بالسحر. بلّش بكود بشع، صلّح باغات صغيرة، سأل أسئلة محرجة، وقعد ساعات على مشكلة الخبير بيحلها بعشر دقايق. هاظ «الهدر» ما كان عيب بالنظام — هاظ كان نظام التدريب نفسه. الشركات كانت تتحمّل تكلفة المبتدئ لأنه المبتدئ بيصير خبير بكرا.
بس الذكاء الاصطناعي غيّر الحسبة. زلمة خبير معه أدوات AI صار يقدر يعمل الشغل اللي كان بينعطى للمبتدئين: الكود التكراري، التوثيق، الاختبارات البسيطة، تصليح الباغات السهلة. يعني بالضبط الشغلات اللي المبتدئ كان بيتعلّم منها المهنة.
قبل سنتين، فريق فيه مطوّر خبير وتلات مبتدئين. المبتدئين بياخدوا الشغل الروتيني، وبيغلطوا، وبيتعلّموا. اليوم؟ نفس المطوّر الخبير — بس معه مساعد ذكاء اصطناعي — بخلّص شغل التلاتة لحاله وبوقت أقل.
الشركة وفّرت مصاري، وكلّ واحد مبسوط. بس في سؤالين محدا بسألهن: التلات مبتدئين، وين رح يتعلّموا؟ ومنين رح يطلع الخبير الجاي، إذا محدا وظّف مبتدئ من الأساس؟
هاظ مش تخمين. دراسة من جامعة ستانفورد نهاية 2025 لقت إنه الشباب من عمر 22 لـ25 بالوظايف الأكثر تعرّضاً للذكاء الاصطناعي، توظيفهم نزل حوالي 16%، بينما الأكبر منهم بنفس الوظايف ظلّوا ثابتين2. وتقرير SignalFire بيّن إنه توظيف الخرّيجين الجُدُد بالشركات التقنية الكبيرة صار أقل بحوالي 65% عن مستوى 2019، وربطها مباشرةً بإنه الـAI صار بيعمل «الكود الروتيني والاختبارات وتصحيح الباغات»3. حتى مايكروسوفت، بمقال رسمي، حكوها صريحة: الحافز صار «وظّف خبير، وأتمِت المبتدئ» — واللي بيفرّغ خطّ إنتاج المواهب من جوّا4.
الشركات بعدها بدّها خبراء. بس صار عندها أسباب أقل تشغّل مبتدئين. وإذا محدا شغّل المبتدئ، منين المفروض يطلع الخبير الجاي؟
«مبتدئ»... بس بدنا خبرة
لو بتقرأ إعلانات وظايف كفاية، رح تصادف واحد من أغرب التناقضات بسوق العمل: وظيفة لمبتدئين. خبرة مطلوبة.
بتقدّم على وظيفة. بيقولولك: «بدنا خبرة». بتسأل: «طيب منين آجيب خبرة؟». بيقولولك: «من الشغل». بس عشان تلاقي شغل، بدّك خبرة.
كانت بتضحّك، لو مش الواحد صرف أربع سنين ومبلغ محترم من مصاري أهله مشان يوصل لهاي اللحظة بالذات.
الجامعة بعدها بتخرّج طلاب لعالم مبني على فصول دراسية ومشاريع مُعرّفة بدقّة. والسوق بعالم تاني: بدّه Git وقواعد بيانات حقيقية وبنية سحابية وAPIs وأمان ونشر واختبارات وحاويات — وفوق هاظ كله، تطوير بمساعدة ذكاء اصطناعي. الطلب على مهارات الـAI بالوظايف المبتدئة صار «أكثر من تلت الوظايف»، حوالي تلات أضعاف مستوى أواخر 20255.
فكّر بالسرعة. الطالب ببلّش شهادة تحت واقع تقني معيّن، وبيتخرّج على واقع تاني تماماً. المنهج بيتحرّك كل كم سنة. السوق بيتحرّك كل كم شهر. والـAI بيتحرّك كل كم أسبوع. الخرّيج عم بركض بسباق، وحدا عم بحرّك خط النهاية.
التكنولوجيا مش عم تموت — الطريق هو اللي عم يموت
هون لازم أكون منصف، لأنه هاي النقطة مهمّة كتير. التكنولوجيا مش بتنهار. مكتب إحصاءات العمل الأميركي بيتوقّع إنه وظايف الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات رح تنمو «أسرع بكتير من المعدل»، وفيها حوالي 317 ألف وظيفة شاغرة كل سنة لحد 20346. المطوّرين لحالهم متوقّع ينموا 15%7. وأصحاب العمل بأميركا متوقّعين يوظّفوا خرّيجين 2026 أكثر بـ5.6% عن السنة اللي قبل8.
فكيف بحكي عن انهيار؟ لأني مش عم بشوف انهيار التكنولوجيا. عم بشوف انهيار الطريق القديم للتكنولوجيا. رح يكون في وظايف. رح يكون في مسارات مهنية خيالية. بس هاي الوظايف يمكن ما تتوزّع بالتساوي على هالكمّية الهائلة من الخرّيجين اللي حاملين نفس الشهادة وبيتنافسوا على نفس الوظيفة المبتدئة. مستقبل فيه تكنولوجيا أكثر، بس بيحتاج مبتدئين تقليديين أقل.
بالأردن، القصة أثقل
طيب، وين إحنا من كل هاظ؟ عنا القصة أثقل شوي. حسب دائرة الإحصاءات العامة، البطالة بين الأردنيين وصلت حوالي 21.4%9. بس الرقم اللي المفروض يوقّفك: أكثر من نُص العاطلين عن العمل بالأردن معهم تعليم ثانوي أو أعلى. يعني الشهادة لحالها ما عادت تحميك.
أوضح مثال مؤلم: النساء الأردنيات. أكثر من 74% من قوّة العمل النسائية معها بكالوريوس فأعلى — ومع هيك البطالة بينهنّ حوالي 34%9. كل ما زادت الشهادة، ما بالضرورة زادت الفرصة. وعلى مستوى المنطقة العربية، إحنا الأعلى عالمياً ببطالة الشباب، حوالي 28%10.
وبنفس الوقت، الأردن بيخرّج عشرات الآلاف من الجامعات كل سنة، منهم آلاف بتخصصات تقنية، بينما قطاع الـICT كله بيشغّل حوالي 46 ألف واحد وبيخرّج له السوق سنوياً أضعاف ما بيقدر يستوعب11. الرياضيات ببساطة مش بتظبط.
خرّيج علوم حاسوب من جامعة أردنية محترمة، معدّله حلو، وعنده حماس. قدّم على أكثر من تلات ميّة وظيفة. اللي ردّوا عليه، طلبوا خبرة ما عنده. بعد شهور، اشتغل بمبيعات مشان يعيش، وبالليل صار يشتغل فريلانس على مواقع عالمية.
تقنياً، هو «موظّف». بس هو ما دخل المهنة اللي درسها. وهاي بالضبط النقطة اللي إحصاءات البطالة ما بتحكيها: إنه تحسب الزلمة «شغّال» مش معناه إنه نجح بالمجال اللي تعب عليه سنين.
السوق صار بطولة، مش سُلّم
النموذج القديم كان بسيط: شهادة ← وظيفة أولى ← خبرة ← مستوى متوسط ← خبير. النموذج الجديد صار: شهادة ← منافسة جهنّمية ← إثبات قدرة ← تخصّص ← يمكن فرصة.
الشهادة بتدخّلك البطولة. بس ما بتضمنلك حدا يخلّيك تنزل الملعب. والذكاء الاصطناعي خلّى البطولة أقسى، لأنه الشركة صارت تتوقّع إنتاج أكبر بكتير من كل واحد بتوظّفه. الخرّيج اليوم ما بينقارن بخرّيج مبارح — بينقارن بخرّيج مبارح زائد ذكاء اصطناعي. وهاظ بغيّر معنى «مقبول».
شو اللي بخلّي حدا يختارك إنت؟
الخرّيج المميّز رح يكون بخير. اللي بيبني أنظمة حقيقية، بيفهم الأساسيات، بيحكي مع الناس، بيستخدم الـAI بذكاء، وبيتخصّص — هاظ رح يظلّ مطلوب. بس هاظ مش الخرّيج اللي أنا قلقان عليه.
أنا قلقان على الخرّيج «العادي». اللي قالوله إنه إنهاء الشهادة بكفّي. اللي عنده تلات مشاريع منقولة من يوتيوب. اللي سيرته الذاتية فيها خمستعشر لغة برمجة بس ما اشتغل ولا مرة على تطبيق حقيقي عايش بأيدي ناس. اللي عم يبعت تلات ميّة طلب وبلّش يشكّ إنه في إشي غلط فيه هو.
اللي رح يمرق مش اللي بيكتب كود أسرع من الآلة — هاي المنافسة خلصت. اللي رح يمرق هو اللي بيفهم المشكلة، بيصمّم الحل، وبيعرف إيمتى الآلة غلطانة.
يعني القيمة انتقلت. صارت لِلّي بيفهم المشكلة، بيصمّم النظام، بيحكم على مخرجات الذكاء الاصطناعي، بيميّز غلطها من صحّها، بيحكي مع البشر، وبيتحمّل مسؤولية اللي بينبني. مش لِلّي بيحفظ أسرع.
خلص، بطّلوا تكذبوا على الطلاب
لازم الجامعات تبطّل تبيع شهادة التكنولوجيا كإنها تذكرة مضمونة لوظيفة براتب عالي. والأهل لازم يبطّلوا يقولوا «ادرس حاسوب، مضمون». والطالب لازم يبطّل يصدّق إنه إنهاء المواد بيخلّيه جاهز للسوق.
وشركات التكنولوجيا كمان لازم تعترف بإشي مزعج: إذا كل شركة بدّها خبراء، ومحدا مستعدّ يدرّب مبتدئين، القطاع بينهي خطّ مواهبه بإيده. ما بتقدر تلغي المبتدئ وتتوقّع إنه الخبراء رح يطلعوا لحالهم من العدم. القطاع بدّه تدريب حقيقي، ومشاريع صغيرة للبداية، وطريقة جديدة نربّي فيها الناس جنب الذكاء الاصطناعي، مش نتوقّع منهم يوصلوا وهمّ خبراء أصلاً.
وأنا مش عم بحكي هاظ الحكي من برّا. أنا اشتغلت مع مبتدئين، وشُفت كيف الواحد بيتعلّم لمّا تعطيه مساحة يغلط فيها. المشكلة إنه هاي المساحة عم تضيق.
فالسؤال الصح بـ2026 ما عاد «أدرس تكنولوجيا معلومات لأنه التكنولوجيا هي المستقبل؟» — أكيد هي المستقبل. السؤال الأصعب والأهم: «شو اللي بقدر أعمله يخلّي حدا يختارني أنا، بعالم كلهم معهم شهادة وكلهم معهم ذكاء اصطناعي؟»
هاظ سؤال أصعب بكتير. بس هاظ السؤال اللي كل خرّيج جديد لازم يجاوب عليه. لأنه الشهادة يمكن توصّلك للباب. بس ما عادت تضمن إنه الباب رح يفتح.
المصادر
- Federal Reserve Bank of New York — The Labor Market for Recent College Graduates (بطالة الخرّيجين الجُدُد 5.7%، ومعدّل العمل تحت المستوى ~42%؛ بيانات حزيران 2026).
- Stanford Digital Economy Lab — Brynjolfsson, Chandar & Chen, “Canaries in the Coal Mine” (تشرين الثاني 2025) — تراجع توظيف الشباب 22–25 بالوظايف الأكثر تعرّضاً للـAI (~16%). دراسة ارتباطية.
- SignalFire — State of Talent Report 2026 (بيانات شركة استثمارية خاصّة، مش حكومية).
- Communications of the ACM — Russinovich & Hanselman, “Redefining the Software Engineering Profession for AI” (آذار 2026) — مقال رأي، مش دراسة تجريبية.
- NACE — Demand for AI Skills in Entry-Level Jobs Nearly Triples (تحديث ربيع 2026).
- U.S. Bureau of Labor Statistics — Computer & Information Technology Occupations (~317,700 وظيفة شاغرة سنوياً 2024–2034).
- U.S. Bureau of Labor Statistics — Software Developers, QA & Testers (نمو 15% 2024–2034).
- NACE — Employers Expect to Hire 5.6% More New Graduates (Job Outlook 2026 Spring Update).
- دائرة الإحصاءات العامة الأردنية — معدّل البطالة، الربع الثالث 2025 (بطالة الأردنيين 21.4%؛ النساء 33.9%).
- ILO — Global Employment Trends for Youth 2024 (MENA) (بطالة الشباب بالدول العربية الأعلى عالمياً ~28%).
- int@j — Jordan’s ICT Sector Aims to Double Workforce by 2033 (~46,000 موظّف بالقطاع).
ملاحظة على الأمانة: الـ«90%» بالعنوان تحذير مقصود لإثارة النقاش، مش إحصائية. الأرقام أعلاه من مصادر أولية موثوقة (بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مكتب إحصاءات العمل الأميركي، NACE، دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، منظّمة العمل الدولية، int@j). بعض الدراسات (زي ستانفورد وSignalFire) ارتباطية أو من جهات خاصّة، وذكرت هيك عمداً — الفكرة نفهم الاتجاه، مش نبيع رقم.
عندك قرار تقني أو مهني كبير؟
احجز استشارة فردية نحكي فيها بصراحة عن وضعك وخطوتك الجاي.